النظامُ يحتضرُ:فهل نلجأُ إلى تدميرِه أم ترميمِه!؟

التاريخ يشهد! هو الشاهد الأكبر على أحداث ١٩٥٨، الحرب الأهلية عام ١٩٧٥،الانقسام السياسي سنة ٢٠٠٥، حرب ٧ أيار ٢٠٠٨ ناهيك عن التدخلات الخارجية التي لم تجلب يومًا السلام لا بل كانت وسيلة لزرع الأحقاد حتى حلّت علينا لعنة الدمار. ومنذ تاريخ الإستقلال تزعّمنا الحرية إلا أن الزعماء والقادة هم من يتحكمون بتلك الحرية فيحررونا من سجن الخوف متى يشاؤون ليعودوا ويوهمونا بوجود الأعداء والمنافسين بهدف إشعال الفتن وبدء الحروب وبداعي "تحقيق السلم" على حد تعبيرهم وصون كرامة الطوائف هي حجتهم، إلا أن علامة الاستفهام الأكبر تطرح نفسها عندما يحلّ علينا موعد إحصاء المكاسب. هل الشعوب هي التي كسبت فعلًا؟ هل حافظت على كرامة الطائفة وساد السلام حقًّا؟ أمّا المصالح السياسية التي تحققت،فهل أتت بالفائدة على الشعب واقعًا؟ وهل استحقت هذه المكاسب ومصالح الزعماء تقديم عدد هائل من الأرواح وتفرقة آلاف الأسر؟ وقد تساءل الأديب ميخائيل نعيمة عن كمية التبذير على عدة الحرب في غيابٍ تام للانفاق على عدة السلم وكذلك غياب أي وزارة تُعنى بالسلم في حين وُجد مثيلها فيما يخص الحرب بوجود اعتمادات تُخصص لها. وفي كتابه "في مهب الريح" وثّق التناقض الكبير بين كل من المصطلحين قائلا"عدة السّلم الإيمان بالإنسان، وعدّة الحرب الكفر باللّه وبالإنسان معًا،" بحيث لا تنتهي الحروب إلا بخسارة تقع على الطرفين بغض النظر عن النتائج.

وإذا تكلمنا عن لبنان تحديدًا، نجد أن النتائج لم تكن سوى وخيمة على الجميع فالحرب لا تفرّق بين الصالح والطالح وقد يتأذى في معظم الأحيان الأبرياء؛ أما الرؤوس الكبيرة والزعماء فباقون في أبراجهم العاجية يراقبون سير العملية لطرح التوقعات فقد يتنازلون في بعض الأحيان للعب دور الحَكم الناهي أو يتلهّون في تقاسم الغنائم. كما أنّنا لا نعرف متى ننام على فتنةٍ لنصحى على حربٍ أهلية قامت على خلفية لافتةٍ قد تمتد إلى تقديم الأرواح كقرابين للقادة والزعماء. ربما هو شقاء النظام الطائفي الذي زرعه الغرب وتحديدًا الفرنسيون في بلادنا ووثقوه عبر دستورنا ليبقى الفتوى التي يصطنعوها بهدف الدخول بيننا بصفة المصلح وما هو إلا مساسٌ واضحٌ للسيادة تحت غطاء الصداقة. وعند سؤالنا عن نظام لبنان فنُأكّد وبكل ثقة أنه ديمقراطيٌ إلا أننا نعلم حقيقةً أن هذا النظام التوافقي الطائفي هو الدليل القاطع على هشاشة نظامنا الحالي.

وبالرغم من هذه الشوائب، فلا يمكن تجاهل اعتراف الدستور اللبناني بالمساواة وحرية الرأي والتعبير إضافة الى الحرية الدينية دون أن ننسى إتاحته الأساليب الديمقراطية التي تمنح الشعب اللبناني الفرصة لتغيير الحكم، ومع ذلك مازال يظهر بعض الأعداء لهذه الميزات بين حينٍ وآخر. فهناك من يحارب المساواة بما يعرف بمصطلح "الواسطة"، وهناك من يواجه حرية الرأي بالقمع فيحاول خنقَ الأصوات المناشدة بالحرية وأدنى حقوق الإنسان ليبقى الفساد السلطان الوحيد المتربع على عرش الحكم والمستفرد بالسلطة. أكثر من ذلك، فعداؤهم لم يتوقف هنا بل تعدّاه إلى شنّ الهجمات المتتالية على النظام الاقتصادي الحر وصولًا إلى نظام المصارف محاولين استبداله بنظامٍ مبتكر يناسب تطلّعاتهم وأهواءهم وهذا الأمر ليس بجديدٍ عليهم لأنهم اعتادوا على تفصيل الأنظمة كي تتلاءم مع مصالحهم وحياكة النظام الانتخابي للعام ٢٠١٤ يُثبت ذلك. لا يمكن غضّ النظر عن الأصوات التي تسعى إلى لوم النظام الليبرالي وتحميله مسؤولية ما اقترفته الطبقة السياسية، فقد يكون النمط الاقتصادي السائد وكذلك النمط المالي مسؤولين عن جزءٍ كبيرٍ من الإفلاسوليس الليبرالية بذاتها فلبنان تميز بكونه موطن الشعب الفنيقي الليبرالي منذ بداياته.

وبناءً على ما شهدناه، يبقى المطلب الأساسي بناء دولة قادرة على إصلاح ذاتها في ظلّ برنامج رقابي صارم يقوم على المحاسبة العادلة. فإذا كانت الطائفية هي الداء فلا بدّ من إيجاد النظام اللاطائفي كدواءٍ، لأن إدخال القوانين المدنية أولوية لإسعاف لبنان المحتضر. هذا النظام الذي فتك بالشعب لسنواتٍ طويلة بحاجة اليوم إلى تطويرٍ يقوم على تعديلاتٍ دستورية تطالُ جوانبَ عدةً وصولًا إلى الدولة المدنية بعيدًا عن المحاصصة الطائفية والتي قد تشكل الورقة الأخيرة التي على لبنان استخدامها في سبيل الإنقاذ.هذه الدولة هي الضمانة الوحيدة لاسترجاع ثقة الشعب بالدولة ولترسيخ استقلالية القضاء وتعيين الشخص المناسب في المكان المناسب بحسب معياري الخبرة والكفاءة بعيدًاعن المحاصصات ما قد ينتج جيلًا جديدًا يؤمن بالوطنية بعيدًا عن الانتماء الطائفي أو الرضوخ لزعماء وحكام أو حتى لجهاتٍ خارجية. متى سنتعصّب لمبادئ الأديان التي تقوم على المحبة،التسامح والسلام كما نتعصّب لخدمة الأفكار الطائفية التي لا تقوم سوى على الأحقاد،التفرقة والحروب!؟

 

 

 



//