تأليف الحكومة: الهروب من الأسئلة المصيريّة

النقاش السياسي في لبنان لا يُقارب أصل المشكلة. يبقى محصوراً على مستوى الوزراء وأعدادهم ونزاع الصلاحيات بين الرئاستين الأولى والثالثة، فيما العقدة في مكان آخر: شكل النظام السياسي والنموذج الاقتصادي في بلد يحتاج إلى توافق دولي ــــ إقليمي، وتدفقات نقدية، حتى يستمر. فريق رئاسة الحكومة يُدافع عن نفسه، بأنّ جولات سعد الحريري الخارجية، التي يقوم بها كما لو أنّه رئيس حكومة «أصيل»، هدفها حلّ الأزمة الداخلية

 

حين رسم المُنتدبون على بلاد الشام الكيان اللبناني، لم يُقرّروا فقط أن يخلقوا بلداً يكون «همزة وصل» للنزاعات الإقليمية والدولية، بل دولةً لا تعرف «الاستقلالية» وتبقى عند كلّ هزّة بحاجةٍ إلى «رعاية» خارجية لإحيائها من جديد. التطورات السياسية الأخيرة تُعدّ امتداداً لذلك التاريخ. ما يجري منذ تكليف سعد الحريري ليس «فقط» التشاور لتأليف حكومة جديدة، كما كان يحصل في السنوات الماضية. وليس النزاع بين رئاستَي الجمهورية ومجلس الوزراء مُجرّد صراع حول من يحصل على الحصّة الأكبر من النفوذ داخل الدولة. المُشكلة لا تتعلّق بـ«ثلث ضامن» وطريقة توزيع الحقائب، كما يوحي المعنيون بتأليف الحكومة. فكلّ تلك «المناوشات» المحلية ليست إلّا مظهراً للعقدة الأساسية، وهي أنّ المطلوب من الجميع «مُباحثات تأسيسية» لمرحلة ما بعد انهيار النظام السياسي والنموذج الاقتصادي، وفقدان التوافق بين القوى السياسية ــــ الحاكمة والمُعارضة ــــ على كلّ الخيارات.

 يُفيد التاريخ السياسي للبنان، أنّه كلّما بلغت الأزمات هذا المستوى من العُمق، لا يعود حلّها مُمكناً بـ«تبويس اللحى» وتبادل المقاعد بين «أهل البيت»، بل عبر توافق إقليمي ــــ دولي، يواكب التوافقات الداخلية، لا بل «يفرضُها» في معظم الأحيان. طبيعة النظام الذي كان قائماً أثبتت أنّ أي حلول داخلية تتمحور حول مقعد من هنا وتنازل من هناك، لن تكون مستدامة ما لم تتزامن مع «رضى» الدول «المانحة». تكرّر ذلك منذ ما بعد الاستقلال، واستمر بعد انسحاب القوات السورية في الـ 2005، فكيف الحال في واحدة من أسوأ الأزمات التي يشهدها التاريخ اللبناني الحديث؟ مُستوى الأزمة المالية والنقدية والاقتصادية يُعطّل مفاعيل أي «دفتر شروط» محلّي لترقيع النموذج أو محاولة إنعاشه، خالٍ من الموافقة الأجنبية عليه. لكنّ اللافت هو في كون القوى السياسية الرئيسية، والمسؤولين الذين يعملون على «مبادرات»، يُصرّون على أنّ تأليف الحكومة مُمكن بمجرّد التوافق بين الحريري والنائب جبران باسيل.



//