نفط لبنان مهدّد ولا إجماع حول حقه بـ”كاريش”

 

صحيح أن مفاوضات ترسيم الحدود بين لبنان و”إسرائيل” توقفت مع انتهاء الجولة الرابعة في تشرين الماضي، إلا أنها كانت متعثرة منذ البداية، فتوسيع لبنان لحدوده البحرية المتنازع عليها من 860 إلى 2290 كلم2، كان كفيلاً بـ”استفزاز” العدو الإسرائيلي.

فاعتماد الوفد اللبناني المفاوض الخط 29 جنوباً، والذي يمر بحقل كاريش المستثمر من قبل “إسرائيل”، معناه أن للبنان حق بنصف هذا الحقل.

وبعد أشهر على توقف المفاوضات، هناك معطيان خطيران لا يمكن إغفالهما اليوم. والمعطى الأول يتمثل ببدء كاريش بالإنتاج قريباً، ما يعني تعذّر حصول لبنان على حقه بهذا الحقل. أما المعطى الثاني، فهو وضع “إسرائيل” خارطة (سحبتها لاحقاً)، كانت قد عدّلت فيها حدود الحقل 72، متعدية بذلك على البلوك 9 اللبناني.

في الموازاة، هناك ورقة بيد لبنان تمكّنه من إجبار “اسرائيل” على العودة للمفاوضات، وتجميد العمل بكاريش، وذلك عبر إقرار مرسوم يكون بمثابة تعديل للمرسوم اللبناني 6433، المودع لدى الأمم المتحدة، لتتطابق إحداثيات المنطقة الإقتصادية الخالصة للبنان، مع تلك التي يفاوض على أساسها الجيش اللبناني.

ووسط غياب الإجماع السياسي على إصدار المرسوم، تُطرح أسئلة عدة: ما قصة الخط 29 الذي تبناه الجيش؟ وهل هو فعلاً “خط إيراني”؟ وهل نحن اليوم أمام تفريط بثرواتنا البحرية، بعد تعليق لبنان آمالاً على النفط في أسوأ أزمة إقتصادية تمر بتاريخه؟

إشكالية حقل كاريش

وكاريش هو حقل مستثمر من قبل شركة “إينرجيين” اليونانية، ومن المتوقع أن يبدأ بالإنتاج في منتصف العام الحالي. وتحاول “إسرائيل” إرجاع لبنان لخط التفاوض السابق، أي الخط 23، وحصر المنطقة المتنازع عليها بـ 860 كلم2، لضمان بقاء كاريش خارج المفاوضات.

ولا موقفاً سياسياً لبنانياً موحداً، ما يضعف موقف الوفد اللبناني المفاوض. وتوضح مديرة معهد حكومة الموارد الطبيعية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لوري هايتيان في حديث لـ”أحوال” أن الخط 29 يعود للعام 2011، وقد طرحه المكتب الهيدروغرافي البريطاني، لكن الحكومة اللبنانية لم تأخذ به، والمفارقة أن كاريش لم يكن مكتشفاً بعد.

ما هو أبعد من كاريش

وضع لبنان عام 2011 إحداثياته لدى الأمم المتحدة وفق الخط 23، لكن بإمكانه تعديل الإحداثيات، عبر إقرار الحكومة لمرسوم الإحداثيات وفق الخط 29، وإرساله للأمم المتحدة فوراً، بغية إعلان كاريش حقلاً متنازعاً عليه وإجبار “إسرائيل” على العودة للمفاوضات.

وتستشهد هايتيان بسوابق قانونية وتحكيمية أخرى، إذ يصعب ربح الدعاوى عندما تصبح الحقول النفطية منتجة، ما يعني أننا في سباق مع الزمن، وأن كل تأخير في إقرار المرسوم، هو خسارة للبنان.

وتصنيف الحقل منطقة متنازعاً عليها، يعني حكماً الضغط على إنرجيين، التي لن تفرط باستثمارها البالغ مليارين ونصف دولار. وستضغط بدورها على “إسرائيل” لاستئناف المفاوضات.

وهذه الطريقة الوحيدة لإجبار “إسرائيل” على التفاوض من جديد، أو نخسر هذا الحقل، كما أنه في حال بدأ العمل بالحقل 72 وكانت هناك مكامن مشتركة لقربه من البلوك 9، قد يتعدى “الإسرائيليون” على جزء من حقلنا الذي بنينا عليه آمالاً كثيرة.

ضرورة إقرار المرسوم

تشدد هايتيان على ضرورة حصول تحرك من قبل اللبنانيين، واللا التحرك هو جريمة بحق لبنان والتأخير هو هدر لثرواته. وتسأل، من يتحمل هذا الشيء الكبير؟

وبرأيها، إذا لم يحث هذا الملف حكومة تصريف الأعمال على اتخاذ قرار، ما الذي قد يجعلها تتحرك؟ فقرار بهذا الحجم، يقتضي إعلاء المصلحة الوطنية، والمحافظة على حقوقنا ضد العدو الإسرائيلي.

وإذا كان الرئيس حسان دياب ينتظر إجماعاً وطنياً غير متوفر بعد، فإنّ الرئيس نبيه بري يفضل التفاوض وفق الخط 23 بحجة إنجاح المفاوضات، أما النائب السابق وليد جنبلاط  فيعتبر الخط 29 خطاً ايرانياً، “لم نسمع به من قبل”.

بدورها، ترفض هايتيان تبريرات السياسيين، فكل الأحزاب على علم بهذا الخط، وتدعو للخروج من تصفية الحسابات السياسية، مستغربة غياب موقف جامع تجاه ملف وطني بهذا الحجم.

في المقابل، هكذا تجري المفاوضات، فالترسيم البحري يتطلب مفاوضات لتحديد المنطقة الإقتصادية الخالصة. وتختم هايتيان، فلنفاوض وفق الخط 29، علّنا نحصل على مساحة 860 كلم2 المتنازع عليها، وربما أكثر.

بو معشر: حذارِ “الخيانة العظمى”

يذكّر العميد المتقاعد أندريه بو معشر في حديث لـ”أحوال”، بأنّ الفريق اللبناني المفاوض هو تقني عسكري، ولا يفاوض من منطلق سياسي بل قانوني، مستنداً إلى قانون البحار ودراسات المكتب الهيدروغرافي البريطاني.

ويشدد بو معشر على وجوب مباشرة لبنان بإصدار مرسوم جديد للإحداثيات وفق الخط 29، وإيداعه لدى الأمم المتحدة، لتتبلغ “إسرائيل” أنّ أي تعد على حدودنا البحرية هو تعد على الثروات اللبنانية، وكذلك تتبلغ “انرجيين” المستثمرة لكاريش، بأنّ الحقل يقع ضمن منطقة متنازع عليها.

“نحن في سباق مع الوقت”، يقول بو معشر، محذراً من أن أي تأخير في إصدار المرسوم يعني القبول بفرض الأمر الواقع عبر بدء كاريش بالإنتاج، وحصوله بالتالي على المشروعية القانونية الدولية، مما يشكل استمراراً لنهج التعدي على حقوق الأجيال اللبنانية والتفريط بثروات الوطن.

إلى ذلك، يحذر بو معشر من الإستثمار السياسي في الملف، والتفريط بحقوق لبنان بمياهه وثرواتها، فهذا ينحدر إلى مستوى “الخيانة العظمى”. وكل السلطات المعنية اليوم، ستُساءل أمام التاريخ والشعب والوطن، في حال تلكأت عن واجبها الوطني، أمام لحظة تاريخية ووطنية بهذا الحجم.

والمطلوب في المقابل، تمكين الوفد المفاوض، وتأمين دعم شعبي وسياسي له، انطلاقاً من حقوقنا السيادية دون أي اعتبارات سياسية.

ويضيف بو معشر، لنذهب للمفاوضات بموقف صلب لا لبس فيه، ما يعطي موقفا حاسماً بمواجهة مطامع “إسرائيل”، ويحقق الهدف المرجو من المفاوضات عبر المطالبة بحق لبنان كاملاً، لتحصيل أكبر عدد من المكاسب، سيّما وأن ترسيم الحدود البحرية يحتاج إلى جهد، فهو مسار يعتمد الإقناع بالدرجة الأولى، وهو يبدأ بلبنان ولا ينتهي بالأمم المتحدة.

ثرواتنا التي لم تُسرق بعد!

حضّر الوفد اللبناني المفاوض ملفه جيداً، فتبنى الخط 29 الذي ينطلق من رأس الناقورة وحدود 1923 مع فلسطين، والخط الوسطي المعتمد في قانون البحار.

بدورها، تفاوض “إسرائيل” وفق الخط 1، بينما تدعم الولايات المتحدة خط هوف الذي يتوسط الخطين 23 و1، ويقضي بتقاسم المنطقة 860 كلم2 المتنازع عليها وفقاً لوساطة أميركية، تعطي لبنان حوالي 500 كلم2، واسرائيل حوالي 360.

أما الجيش اللبناني، فيتمسك بالـ 1300 كلم2 التي لم تحتسب في السابق. ومن المستغرب اليوم، غياب الإجماع حول تعديل الإحداثيات ودعم الجيش في موقفه، ما يعني التفريط بحقوق لبنان، حتى قبل التفاوض بها مع العدو!

وهي لعبة الوقت الضائع التي لطالما فشل لبنان في التعامل معها، لكن القرارات السيادية لا تنتظر، وإذا بدأت المفاوضات وفق الساعة الأميركية وتوقفت وفق الساعة “الإسرائيلية”، فلعلّ استئنافها وفق الساعة اللبنانية بات ضرورة وطنية، سيّما وأن ساعات معدودة كفيلة بتطيير حقوقنا التي بنينا عليها آمالاً في البحر، كآخر ثرواتنا المدفونة التي لم تسرق بعد!



//