الشارع "ينفجر" على وقع "جنون الدولار".. إلى أين؟!

انفجر" الشارع من جديد. قد يكون الأمر بديهيًا وأكثر من طبيعي، بمُعزَلٍ عن بعض "نظريات المؤامرة"، بعدما تجاوز سعر الدولار حاجز العشرة آلاف ليرة لبنانيّة في السوق السوداء، مسجّلاً بذلك رقمًا قياسيًا غير مسبوق منذ بدء الانهيار الاقتصادي قبل أكثر من عام ونصف، بل ربما في تاريخ لبنان، وبالحدّ الأدنى منذ عقود.

 

وجاء هذا التدهور في سعر الصرف في وقتٍ باتت زيارة "السوبرماركت"، التي تحوّلت إلى "الفسحة الوحيدة" في زمن كورونا، أشبه بـ"كابوس" للكثير من اللبنانيين، ممّن لم يعودوا قادرين على "تصديق" أسعار المواد الاستهلاكيّة، التي لطالما اعتقدوا أنها في متناول اليد والجيب، فباتت اليوم "تكسر" الجيب وأكثر.

 

وكأنّ ما يُحكى عن أنّ أكثر من نصف السكان في لبنان أصبحوا تحت خط الفقر، وأنّ ما كانت تُعرَف يومًا بالطبقة الوُسطى، قد "ذابت"، واختفى أثرها، لا يكفي، جاء التدهور المُستجِد ليزيد من "عمق" المأساة، بعدما "تآكلت" الرواتب، وأصبح الحدّ الأدنى للأجور لا يتجاوز 68 دولارًا، وهو رقمٌ أكثر من زهيد ومُذِلّ.

 

ردّ فعل طبيعيّ!

لكلّ هذه الأسباب، كان من الطبيعي أن "ينفجر" الشارع من جديد، الذي "يعجز" الكثير من اللبنانيين أصلاً عن تفسير سبب "انكفائه" طيلة الفترة الماضية، في عزّ الأزمات التي واجهها لبنان، ولو أنّ جائحة كورونا فعَلت فِعلها على هذا الصعيد، ولا سيّما مع الإجراءات الوقائية الاحترازية التي تحوّلت لما يشبه "الذريعة" لمنع التجمّعات والتظاهرات.

 

وقد لا يكون مُبالَغًا به القول إنّ مشهد الاحتجاجات وقطع الطرقات جاء، على أهميته، دون المستوى المطلوب والمأمول، لأنّ الواقع الاقتصادي والاجتماعي المأسويّ والكارثيّ، بات "جامِعًا" لكلّ اللبنانيين، بمن فيهم أولئك المنتمين إلى أحزاب اليمين واليسار، بمختلف مشاربها وفئاتها، كما أولئك المستقلّين والمحسوبين على المجتمع المدني، فضلاً عن أولئك المنادين ببعض الإصلاحات الهيكليّة، والمطالبين بتغيير النظام برمّته.

 

ومع أنّ هناك من فضّل "الانكفاء" مرّة أخرى، سواء لشعورٍ بـ"الاستسلام والعجز"، والقناعة بغياب القدرة على إحداث أيّ فارق، أو خشية من "غضب" الزعيم، ومراعاةً لـ"مشاعره"، إلا أنّ الأكيد أنّ كلّ هؤلاء يتشاركون، من حيث المبدأ، الخوف نفسه على "المصير"، والرغبة بالهرب، بأيّ طريقة من الطرق، من واقعٍ لم يعد يُحتمَل أو يُطاق، ولا يبشّر بأيّ "فرَجٍ" في الأفق، سواء في المدى المنظور القريب أو البعيد.

 

ماذا بعد؟

لكن، في مقابل "انفجار" الشارع العفويّ والتلقائيّ نتيجة "الاحتقان" الذي فجّره "جنون الدولار"، ولو كان وليد "تراكمات" في الأداء لم تعد بخافية على أحد، ثمّة علامات استفهام طُرِحت حول ما يُنتظَر من التحرّكات الشعبية، وسط توجّس البعض المُعتاد ممّا يسمّى بـ"الطابور الخامس" الذي يمكن أن يدخل على خطّ الاحتجاجات.

 

يؤكد الكثير من الناشطين أنّ ما بدأ في الساعات الماضية في الشارع ينبغي أن يُستكمَل، وأنّ الحراك لا يمكن أن يتوقف من دون تحقيق الأهداف المرجوّة، وفرض التغيير المرجوّ. لكنّ آخرين يخشون من "أيادٍ سياسية" تحرّك الشارع، علمًا أنّ لا شيء يُرتجى من الحراك، طالما أنّ الحكومة مستقيلة أصلاً، ومعظم السياسيين يصمّون آذانهم عن الشعارات المطلبيّة.

 

ومع أنّ الخبراء الاقتصاديّين يؤكدون أنّ تدهور سعر الصرف لم يخالف التوقعات، بعدما أصبح بلا أفق، بما يتيح له تسجيل مستويات مضاعفة في المرحلة المقبلة، فإنّ المسؤولية السياسيّة، أو بالحدّ الأدنى الأخلاقيّة، عمّا جرى ويجري، لا يمكن أن يُعفى منها أولئك الموجودون في الحكم اليوم، أو الذين أوصلوا الوضع إلى ما وصل إليه، بسياسات اقتصادية كرّست على مدى سنوات نهج المحسوبية والمحاصصة، على حساب الصالح العام.

 

ولعلّ "الكارثة الأكبر" تبقى في أنّ الانهيار الاقتصادي يحصل فيما لبنان لا يزال يعيش في "ترف" حكومة مستقيلة، وفي ظلّ عجزٍ كاملٍ عن تأليف حكومة جديدة كان يؤمَل منها أن تكون "حكومة الإنقاذ"، عجز لم يعد له أيّ مبرّر، طالما أنّه يحوم حول "الحصص" في المقام الأول، في ظلّ "تعنّتٍ" مستمرّ، يكاد يرقى لمستوى "الجريمة" بكلّ ما للكلمة من معنى.

 

يقول الخبراء الاقتصاديّون إنّ "جنون الدولار" لن ينتهي عند هذه الحدود، وإنّ الفترة المقبلة قد تحمل معها المزيد من المفاجآت السلبيّة، على خطّه. لكنّ آخرين يجزمون بأنّ الصراعات السياسية تلعب دورها على خطّ الدولار، بل لا يستبعدون أن يكون الأخير "لعبة" يوظّفها السياسيون لتحقيق بعض المكاسب الآنية هنا أو هناك. وبمُعزَل عن مدى "دقّة" الرأييْن، يبقى الأكيد أنّ المُواطِن يبقى المتضرّر الأكبر من أزمةٍ لا ذنب له فيها، سوى تحوّله إلى "وقود" في يد سياسيّين لا يرحمون!



//