التعليم "أونلاين" لدى فئة المراهقين.. ماذا يعني الانعزال؟

انتشار جائحة كورونا في العالم، يجبر الشّاب المراهق على الجلوس في المنزل ومتابعة التّعليم عن بعد، أي بعيداً عن الجو المدرسي والتعليمي،  ويحرمه من التّفاعل المباشر مع معلّميه ورفاقه، وتشكيل العلاقات الاجتماعية، ما هو تأثير ذلك على المراهقين؟

من المعروف أنّ سنّ المراهقة هو سنٌّ حسّاس ودقيق لنموّ الشّباب على أصعد مختلفة، ولإثبات وجودهم وتكوين شخصيّتهم، ففي هذه المرحلة يحتاج المراهق إلى الانغماس في المجتمع لتكوين العلاقات الاجتماعية ضمن صرح المدرسة أو ضمن التّجمعات المتنوّعة وخوض تجارب تثقل شخصيّتهم بالمعرفة وتساعدهم على اكتشاف ذواتهم.

إلاّ أنّ انتشار جائحة كورونا في العالم، أجبر الشّاب المراهق على الجلوس في المنزل ومتابعة التّعليم عن بعد، أي بعيداً عن الجوّ المدرسيّ والتّعليميّ،  وحرمه من التّفاعل المباشر مع معلّميه ورفاقه، وتوطيد العلاقات الاجتماعية من خلال هذا الصّرح، كما أبعد الكادر التّعليمي عن الوسط الطّلابي في كافة المراحل التّعليميّة.

وبطبيعة الحال، فإنّ هذه المرحلة الجديدة كان لها تأثيرات نفسية واجتماعية وتربوية على المراهقين كما المعلمين، لما بذلوه ويبذلوه من جهد إلى اليوم، للتّماشي مع كلّ المستجدّات التي فرضت عليهم. 

تأثير التّعليم عن بعد على التّحصيل العلمي للمراهقين

بالنسبة إلى التّحصيل العلمي، تقول المعلّمة اللبنانية في الصّفوف المتوسّطة سارة الأمين، إنّ "المراهق المسؤول والمستقلّ، والّذي لديه قدرات تعلّميّة، استطاع أن يحصّل المعلومات بشكل جيّد، خصوصاً مع تخفيف المنهاج المطلوب، إلّا أن الطالب الّذي لديه صعوبات تعلميّة، ويحتاج لمواكبة من المعلمة، فهو لا يحصّل المعلومات بالشّكل المرجوّ".

وتابعت الأمين، أنّ "نشوء الحاجة الملحّة لاستخدام الهواتف وأدوات الاتّصال لمتابعة التّعليم، والجلوس لساعات طويلة للدّراسة، جعلت المراهق يتتلكّأ عن التّفتيش على المعلومات الّتي تساعده في التّحصيل العلمي، خصوصاً مع شعوره بأنّ ليس هناك رقابة فعليّة من المعلّمة، ويستخدم هذه الوسائل للّهو والّلعب". 

وهنا أشارت إلى "ضرورة متابعة الأهل لأولادهم في هذه المرحلة الحسّاسة من أعمارهم إذ إنّ العبء الأكبر بات عليهم، والشّاب يحتاج في هكذا ظروف إلى التّوعية والتّوجيه لاستغلال الوقت بأشياء تنمّي احتياجاته التّعليميّة إلى جانب احتياجاته الترفيهية". 

الشّاب محمّد مكّي (16 عاماً)، تكلّم للميادين نت عن تجربته في التّعلّم عن بعد، حيث قال إنّ "نمط التّعليم أونلاين لا يشجّعني دائماً على المشاركة مع المعلّمين ومتابعة الدّراسة بالشّكل اللّازم بعد انتهاء الحصص، وهناك صعوبات تواجهني كسائر رفاقي، مثل انقطاع الكهرباء أو الانترنت أحياناً في المنزل، ممّا يعيق متابعتي وفهمي للمعلومات". 

وتابع محمّد أنّ "الانعزال في البيت والابتعاد عن الأصدقاء في المدرسة، يصعّب تشكيل الصداقات والعلاقات الاجتماعيّة، لعدم اللالتقاء بهؤلاء الأفراد وجهاً لوجه بشكل مستمرّ، ما يجعل الثّقة والتّفاعل محدودين بيننا".

في سياق متّصل، أشارت تقديرات الباحثين في كندا وفق بيانات للأمم المتّحدة إلى أنّ الفجوة في المهارات الاجتماعية-الاقتصادية يمكن أن تزيد بأكثر من 30 في المئة بسبب الجائحة وفق ثلاث سيناريوهات محتملة لفقدان التعلم، كانخفاض في متوسط مستويات التعلّم لجميع  الطلاب، أو اتّساع نطاق توزّع التّحصيل التّعليمي بسبب آثار الأزمة غير المتكافئة للغاية على مختلف السكان، أو حدوث زيادة كبيرة في عدد الطلّاب الذين يعانون من انخفاض شديد في مستوى التحصيل العلمي. 

وهذا يشير إلى احتمال حدوث زيادة نسبتها 25% في عدد الطّلاب الذين قد يهبط مستواهم إلى ما دون مستوى خط الأساس للكفاءة اللازمة للمشاركة بصورة فعّالة ومنتجة في المجتمع، وفي أنشطة التعلم في المستقبل، نتيجة لإغلاق المدارس.

تأثيرات الحجر المنزليّ على صحة المراهق النّفسية

أمّا بالنّسبة إلى الصّحة النّفسية للمراهق، فإنّ الانعزال الّذي فُرض على الشّاب المراهق وضعه في موقع يبحث فيه عن بديل لاحتياجاته التي كان يسعى أن يؤمّنها في هذا السّن، مثل تأسيسه لمكانته الاجتماعيّة، وتحقيق الاستقلالية عن الآخرين.

"لكنّ البديل الذي لجأ إليه المراهق في هذه المرحلة كان الانغماس في مواقع التّواصل الاجتماعي أو الألعاب الالكترونية، وهذه بدائل متناقضة مع حاجاته، وكان لها تأثير عكسي كبير عليهم"، وفق ما قالته الاختصاصية في الإرشاد والتّدريب التّربوي والأسري، شافية عز الدين في حديث لها مع الميادين نت

وبحسب عز الدين فإنّ "تأثيرات هذه الظّروف باتت تظهر في سلوك المراهق ضمن أسرته وبين محيطه، وتحوّل الكثير منهم للتّصرف بعدوانيّة وانفعاليّة واستياء زائد، وهذه السلوكيات كانت موجودة في السابق لدى المراهقين، لكن زادت حدّتها بعد المكوث الطويل في المنزل".

وهنا شددت على أن "واجب الأهل في متابعة أولادهم في هذا السّن، خصوصاً في هذه الظّروف الّتي نواجهها، وخلق روتين يومي لهم في المنزل، كما إبعادهم عن المشاكل العائلية المختلفة، وعدم الضّغط عليهم في جانب التّحصيل العلمي بشكل كبير، لأنّ هذه الظّروف استثنائية، ويمكنهم  إظهار المحبّة لأولادهم كنوع من الدّعم، إن كان بالشّكل الّلفظي أو الجسدي ليقدّر المراهق وجوده ضمن العائلة ويفهم دوره في محيطه".

وتابعت عز الدين أنّه "إن رصد الأهل مشاكل متكررة يعاني منها أولادهم المراهقون في هذه الظروف، ولاحظوا أنّها باتت تؤثر على صحّتهم النّفسية، فليجلسوا معهم ويحاوروهم لحلّ هذه المشاكل، وإذا شعروا أنّهم غير قادرين على معالجة الأمر، فليستشيروا متخصّصين في هذه الأمور لمساعدة أولادهم على المضيّ قدماً وتخطّي هذه الصّعوبات". 

وعن التأثيرات النّفسية للجلوس في البيت والتّعلّم عن بعد قالت سارة شمص (15 عاماً) للميادين نت، إنّ "التّعلّم أونلاين جعلني في قلقٍ دائم على تحصيلي العلمي بسبب عدم فهمي للمعلومات بالشّكل المطلوب، ما أثّر على صحّتي النّفسية، وجعلني أستسلم لهذه الظّروف، وصرت غير قادرة على متابعة درسي كما نشاطاتي الّتي أحبّ مثل السّابق". 

كما تمنّت شمص أن "ينتهي هذا الوباء في أقرب وقت، لنعود إلى الحياة الطّبيعية ونذهب إلى المدرسة ونلتقي بالأصدقاء والمعلّمات والأفراد في المجتمع، لأنّ هذه اللّقاءات التّفاعلية بين الأفراد لا يمكن أن تعوّضها الشّاشات". 

ووفق منظّمة الصّحة العالميّة، تستأثر حالات الصحة النفسية بنسبة 16% من العبء العالمي للمرض والإصابات في صفوف المراهقين. وتبدأ المعاناة من نصف اضطرابات الصحة النفسية إجمالاً في مرحلة البلوغ ابتداءً من سن 14 عاماً.

فثمّة عوامل كثيرة تؤثر على رفاه المراهقين وصحتهم النفسية، مثل العنف والفقر والعيش في أوضاع إنسانية هشّة، فيما زاد على هذه العوامل منذ سنة إلى اليوم، ما خلّفته جائحة كورونا من عقبات أمام المراهق لإشباع حاجاته وتنمية مهاراته وتأمين جوّ ملائم لنموه السّليم، وهذه عوامل يمكن أن تفاقم خطر الإصابة بمشاكل الصّحة النفسية.

ووفقاً لذلك، على الأهل كما المجتمع، أن يكونوا على إدراك كامل لأهميّة عنصر الشّباب في المجتمع، وإلى أهميّة  المتابعة والتوعية والرصد الفعّال لمشكلات الشّباب في هذا السّن، وتوجيههم نحو المسار الصّحيح، من أجل أن ينشأ جيل فعّال ومنتج في المجتمع، لديه المقدرة على تحمّل المسؤولية والخوض في مجالات الحياة المختلفة وإثبات وجوده. 



//