بالأرقام: قضاة وعسكريون وأطباء وفنانون يفرّون من جحيم لبنان

 

الكل يفرّ من جحيم لبنان… حتى الجنود في ساحة معركة كورونا، حيث الناس يموتون بالعشرات يومياً ويحتاجون لرعاية طبيّة قد لا يجدونها في موسم هجرة الأطبّاء من بلدٍ كان يوماً مستشفى العرب.
القضاة يهاجرون، من بلد يحتاج إلى انتفاضة قضاة نزيهين يضعون الفاسدين داخل السجون، ويطبّقون مبدأ المحاسبة على جرائم أدّت إلى إفلاس البلد والحكم على شعب كامل بالموت وهو لا يزال على قيد الحياة.
العسكريون أيضاً يتركون ساحة المعركة، والبلد مفتوح على كل الاحتمالات. لا حماية أمنيّة والمواطن متروك لحال سبيله. أسقط في يد عسكري لم يعد راتبه يكفي حتى ثمن تنقّله إلى مركز عمله.
لبنان يخسر اليوم كفاءاته مع انهيار عملته، وحتى فنانوه يتركونه، ومن غنّى يوماً “من هون ما منفل” باتت عينه على دبي، التي أخذت مكانة فنية كانت يوماً لبيروت، حتى في أيام الحرب القاتمة.

القضاة يهربون من جحيم لبنان

القضاة يهاجرون بالعشرات، فراتب القاضي الذي يبلغ حدود الـ 4 ملايين ليرة، لم يعد يكفي لسداد حاجاته اليوميّة، وبات البحث عن فرصة عمل في الخارج ضرورة دفعت بأكثر من٤٠ قاضياً أكثرهم من الجيل الجديد، للتقدّم بطلبات استيداع (أي السماح لهم بالعمل خارج البلاد لسنتين أو أكثر)، ومن رفضت طلباتهم تقدّموا باستقالتهم.
وفي وقت يعاني فيه الجسم القضائي من البطء في العمل والتخبّط في اتخّاذ القرارات، تأتي هجرة القضاء لتزيد الأمر سوداويّة.
مصادر قضائيّة أكّدت أنّ طلبات الاستيداع أحدثت قلقاً في مجلس القضاء الأعلى، حيث تدخّل رئيس المجلس القاضي سهيل عبود بنفسه لإقناع القضاة بالعدول عن قراراتهم، والتّضحية في وقتٍ عصيب يمرّ فيه لبنان ويحتاج فيه أكثر من أي وقتٍ مضى إلى قضاءٍ نزيه.
وأكّدت المصادر أنّ عبود لم يلقَ آذاناً صاغية، وأنّ رقم الـ40 مرشّحٌ للارتفاع، مع تخوّف من أن تليه موجات جديدة من الاستقالات، تضاف إلى عشرين استقالة تقدّم بها قضاة منذ بداية الأزمة، مع رفض طلبات استيداعهم، إذ لم يجدوا خياراً سوى بالاستقالة من القضاء والسّفر بحثاً عن فرصٍ دائمة في الخارج.

هجرة الأطباء… الوجهة الخليج والعراق وأفريقيا

معاناة الأطباء بدأت باكراً مع بدء الأزمة الاقتصادية التي تزامنت مع انفجار جائحة كورونا في لبنان، كان عليهم أن يعملوا في الصّفوف الأماميّة وهم مجرّدون من أبسط مقوّمات الصّمود.
فالتعرفة التي يتقاضاها كثيرون منهم لم يعد لها قيمة، وأموال الضمان لا يقبضها الأطباء إلا بعد عام أو اثنين.
وقد أكّد نقيب الأطباء شرف أبو شرف، أنّ غالبية المهاجرين هم من أصحاب الكفاءات العالية جداً، وليس فقط من الخرّيجين الجدد، وتحديداً من أصحاب الاختصاصات النادرة. ولن يكون سهلاً استرداد من يرحلون أو إيجاد بدلاء عنهم بالخبرات نفسها.
ولغاية الآن تشير التقارير إلى أنّ الأطباء الذين هاجروا يقارب عددهم الألف طبيب، 600 (منهم100 طبيب من مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت)، اتصلوا بالنقابة سلفاً لأخذ وثيقة تثبت خبرتهم الطبية، والباقون سافروا دون إبلاغ نقابتهم التي عرفت ذلك بالصدفة، ما يجعل من إعطاء رقم دقيق عن عدد المهاجرين أمراً صعباً.
أعمار غالبية المهاجرين تراوح ما بين 35 و55 عاماً، وهذه الفئة العمرية، تشكّل عصب القطاع الطبّي ما ينذر بكارثة صحيّة في أدقّ مرحلة يمرّ فيها لبنان.
ما يسري على الأطباء يسري على الجسم التمريضي، الذي كان من أكثر المتضرّرين من الأزمة الاقتصاديّة، إذ قام عدد كبير من المستشفيات بصرف جماعي للممرضين، كما أنّ من ظلّوا في وظائفهم بات معظمهم يتقاضى نصف راتب، ويعمل في ظروف قاسية مع تفشّي وباء كورونا.
وقد بلغت أعداد الممرضين المهاجرين في حصيلة غير رسميّة خلال أقل من عام أكثر من 500 ممرض وممرضة، بعضهم هاجر بشكل نهائي مع عائلته.
ونتيجة هجرة الممرضين، باتت المستشفيات تعاني من نقص حاد، وبدل أن يكون الممرض مسؤولاً عن 4 مرضى كما هو المعدّل العام عالمياً، بات مسؤولاً عن أكثر من 10 مرضى في بعض المستشفيات، ما زاد الضغوط على الممرضين وجعل من الهجرة الملاذ الأخير.
أما وجهات السفر، فهي دول الخليج والعراق وأفريقيا.

فرار العسكريين… أحجار الدومينو تساقطت في 17 تشرين

مع خسارة لبنان كفاءاته، يخسر اليوم أهم عماد صموده، القطاع الأمني والعسكري، مع فرار الجنود من الخدمة.
لم يعد راتب الجندي يكفي قوت يومه، إذ بلغ راتب البعض أقل من 150 دولاراً، ما جعل من ترك الخدمة العسكريّة حلماً يراود كثيرين، بات الذهاب إلى العمل بالنسبة إليهم مكلفاً أكثر من البقاء في المنزل.
فقد أشارت مصادر إلى أن عدد الفارين من قوى الأمن الداخلي، بلغ المئات في فوج “القوى السيارة” ومكافحة الشغب، خلال وبعد ثورة 17 أكتوبر، حين تعامل الفوج مع التظاهرات العنيفة التي شهدتها مدينتا بيروت وطرابلس، ما أدى إلى إصابة العديد من العناصر بإصابات، ناهيك عن تدهور القيمة الشرائية لرواتبهم، التي قتلت لديهم أي حافز للاستمرار في الخدمة.
أما في المؤسسة العسكرية فالوضع ليس مختلفاً، فقد شهدت الأسابيع الماضية فرار عدد كبير من الجنود، تركوا مراكز خدمتهم ولم يعودوا إليها.
وبحسب جريدة “الأخبار” فإنّ نحو ١٥ ضابطاً من رتبتي عقيد وعميد تقدموا باستقالاتهم التي وقّعها المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان، إلا أنّ رئاسة الحكومة ردّتها. وذكرت المصادر أن عدداً من الضباط يستعدّون للتقدم بشكوى أمام مجلس شورى الدولة، لإجبار الدولة على قبول استقالاتهم.

الفنانون إلى دبي

ما ينطبق على سائر القطاعات ينطبق على القطاع الفني الذي كان الأكثر تصدّعاً مع الانهيار الاقتصادي وجائحة كورونا.
فالفنانون الذين خسر معظمهم جنى العمر في البنوك، خسروا أيضاً مورد رزقهم، فلا حفلات ولا مناسبات فنيّة ولا إصدارات جديدة.
وكانت الوجهة إمارة دبي، التي سيطرت على جائحة كورونا مع بدء عملية مبكرة لتلقيح شريحة واسعة من الشعب، واستقطبت الفنانين بإقامات ذهبية، حصل عليها عدد كبير من فناني لبنان منهم راغب علامة، عاصي الحلاني، نجوى كرم وغيرهم.
ويقيم بعض الفنانين بصورة دائمة في دبي، إلا أنّهم لا يعلنون الأمر بشكلٍ رسمي، خوفاً من أي إحراج مع جمهورهم، وخوفاً باتهامهم بالقفز من السفينة وهي تغرق، والتخلي عن لبنان في ظروفٍ أليمة.

تهاجر الكفاءات من لبنان في وقت تقفل فيها مطارات العالم بسبب جائحة كورونا، وتقلّ فيه الفرص بسبب ما فرضته الجائحة من أزمات اقتصادية، فكيف سيكون الحال عندما يضع الوباء وزره وتفتح المطارات وتصبح الخيارات مفتوحة أمام اللبناني ليفر من جحيم وطن يبدو الخلاص فيه حلماً صعب المنال؟



//