فهمي: ما الذي يمنع من استخدام السلاح خلال التفتيش عن كيس حليب؟!

بعد ثمانية أيام من الاجتماع الأمني والاقتصادي في بعبدا أتت النتيجة كارثية. أكمل الدولار صعوده مسجّلاً أرقاماً قياسية غير مسبوقة وفقدت الليرة المزيد من قيمتها أمام الدولار المخزّن لدى الصيارفة والمصارف والمنازل... والمفقود في الأسواق.

ومن المرّات النادرة أقفلت العديد من المحال أبوابها في ظل عدم القدرة على تحديد سعر البيع للزبائن بالدولار في حالة shutdown تنبئ بأن الآتي أعظم. وبدأ البعض يشترط بيع أي منتج كقطع سيارات مثلاً بالدولار وإلا "ما في بضاعة".

وترافقت حالة الذعر مع اختفاء العديد من المُنتجات المدعومة وغير المدعومة من الرفوف وتفنّن التجار في تسعير البضائع المعروضة في السوبر ماركت بما يضمن قدرتهم على تسلّم "البضاعة الجديدة" من التجار الكبار على سعر دولار يوازي الـ15 الف ليرة وما فوق.
فقدان المزيد من السيولة في الدولار كان النتيجة الطبيعية والمتوقعة لغياب مؤشرات الحلّ السياسي وتولّي الأجهزة الأمنية الأمر عبر "الكبسات" على الصيارفة الشرعيين وغير الشرعيين وحاملي الشنطة وحجب المنصات والمجموعات الإلكترونية في وقت يحتاج كل هذا الجنون إلى حسن إدارة سياسية للكارثة، وألف باءها تشكيل حكومة برعاية دولية تضمن فتح باب وصول الدولارات والاستثمارات وإلا حتّى حكومة من 18 "غراندايزر" لا تستطيع وقف أو لجم الانهيار الحاصل.

وتكتمل الصورة بتحذيرٍ أطلقه وزير الداخلية محمد فهمي قبل أيام حصد ردّات فعل متناقضة لكنّه بالتأكيد كشف عن أحد أهم نتائج الفوضى والانهيار: "لا حلّ بالسياسة... إذًا لا أمن". هذا التحذير ترافق مع أرقامٍ مقلقة جداً في نسبة الجرائم المرتبطة بسوء الوضع المالي والمعيشي لم تُسجّل سابقاً حتى خلال مراحل الحرب الأهلية. بحسب مصادر أمنية.

يقول وزير الداخلية لـ"أساس": "عملياً أنا أتحدّث عن منظومة اقتصادية مالية نقدية صحية اجتماعية تلاشت، ما يؤثّر حكماً على المنظومة الأمنية. والحلّ المطلوب فوراً هو حكومة إنقاذ لإنقاذ ما تبقّى من هيكل الوطن"، مؤكّداً أنّ "السياسة لصيقة بالأمن وهي نتاج ومرآة لها. لقد دقيت ناقوس الخطر وإذا لم تتشكّل حكومة... الأمن يعطيكم العافية".

يضيف فهمي: "وحين أتحدّث عن الأمن لا يختصر الأمر بإمكانية حدوث اغتيالات. فنسب الجرائم الجنائية من قتل وسرقات ونشل وسطو زادت بنسبة كبيرة جداً. وأنا أعترف بكل شفافية "ما فيي أضبط كل شي"، خصوصاً مع وجود مليون و500 ألف نازح سوري و400 ألف لاجئ فلسطيني".

ووزير الداخلية الذي تعرّضت شقيقته مؤخراً إلى عملية نشل يحذّر "من انفلات الشارع بالكامل. ولا أقصد هنا التظاهرات التي هي محقّة ضمن حدود القانون بل من الجرائم المرتبطة بالوضع المعيشي مع وجود سلاح بيد الناس. فما الذي يمنع من استخدام هذا السلاح خلال التفتيش عن كيس حليب. هناك هاجس حقيقي من الفلتان الأمني ربطاً بلقمة العيش وبدأنا منذ مدة نشهد ظواهر من هذا النوع".

 

يصرّ فهمي على أنّ "لعبة الدولار سياسية. لقد ألقينا القبض على بعض الصرّافين لكن هناك سرفيرات في الخارج مرتبطة بالمنصات ولا قدرة لنا على ملاحقتها"، محذّراً من أنّ "تلاشي مقوّمات الاستمرار والصمود المعيشي سيقود إلى تلاشي الأمن أكثر".

هذه التحذيرات لم تلقَ صدًى في أيّ من المقرات السياسية ولا في ملف تأليف الحكومة. الركود السياسي يبدو قاتلاً ومستفزّاً إلى أبعد حدود، ولا يمنع نائب كجبران باسيل بأن يطالب بحكومة إلكترونية في سياق مكافحة الفساد فيما الحكومة الموعودة برمّتها رهينة حسابات طائفية وسياسية وشخصية بين بعبدا وبيت الوسط.

 

أما يوم غد فستكون محطة فاصلة في اللجان النيابية المشتركة لاتّخاذ القرار حول منح سلفة 1500 مليار لمؤسسة كهرباء لبنان من عدمه، أي إما العتمة أو الكهرباء بالحدّ الأدنى كما هو الوضع القائم حاليًا. وفي الوقت الضائع يتمّ تحويل المزيد من الأموال إلى الخارج بتواطؤ سياسي مريع يمنع صدور قانون "الكابيتال كونترول" الكفيل بلجم هذه التحويلات وبوضع حدّ لـ"التشنيع" الذي ترتكبه المصارف بحق المودعين.

علامات الانهيار عديدة لا تكرّسها وتبشّر بالمزيد منها سوى عبثية السلطة في المعالجة. وقد بدأت تباشير هذه العبثية في التصريح العلني الذي أطلقه رئيس مجلس النواب نبيه بري من بعبدا في حزيران الفائت حين أكد بعد اجتماع مع رئيسيّ الجمهورية والحكومة وإثر جلسة لمجلس الوزراء على "الاتفاق على تخفيض قيمة الدولار إزاء العملة اللبنانية وصولاً إلى 3200 ليرة وعلى مخاطبة صندوق النقد الدولي بلغة واحدة". ومن يومهأ أكمل الدولار صعودة و"هجّ" صندوق النقد وتُرِك اللبنانيون لمصيرهم البائس.

 

وفي هذا الإطار قد تُفهَم ردّة فعل قائد الجيش أو تصريحات كتلك التي أطلقها وزير الداخلية أو تصريحات سابقة لقادة أمنيين تحذّر من حصول اغتيالات واضطرابات أمنية، أو المسعى المستمرّ من المدير العام للأمن العام في محاولة لإحداث خرقٍ في ملف الحكومة.

تقول مصادر مطلعة: "الأجهزة الأمنية تقوم بدورها في ظل وضع خانق يطال المدني والعسكري في الوقت نفسه. ولا يجوز بأي شكل تحميل هذه الأجهزة عبء مسؤولية تخاذل أولياء القرار السياسي في حلّ الأزمة بالسياسة أولاً. وبالتأكيد فإن إشغال العسكر في التفتيش عن الصرّافين المخالفين والمضاربين هو فضيحة لأن المطلوب وجود عقلاء في خلية الأزمة فُقِدَ أثرُهم منذ 17 تشرين 2019 والدليل المراهقة السياسية في التعاطي مع انهيار العملة الوطنية".

 



//