عدّاد ارتفاع الأسعار "يقصّر" أمام تحليق الدولار.. وهذه النتيجة

كتبت باتريسيا جلاد في "نداء الوطن": 

12400 ليرة وحتى أكثر، السقف الذي وصل إليه سعر صرف الدولار في السوق السوداء أمس الأول يوم "السبت الأسود"، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ البلاد. هذا الأمر استدعى من بعض المصانع الى التوقف عن بيع البضائع وحتى الإقفال نظراً الى تعذّرهم عن مواكبة ارتفاع سعر صرف الدولار الذي قفز في نهار واحد من مساء الجمعة الى السبت بقيمة بلغت نحو 1050 ليرة من 11350 ليرة، مسجلاً رقماً قياسياً غير مسبوق تاريخياً.

استكمالاً للتغيّرات التي حصلت يوم السبت عمد أمس، بعض أصحاب السوبرماركات الى إقفال محالهم بهدف رفع الأسعار التي تقفز مع كل قفزة دولار، وعدم تفويت فرصة الربح ولو أن البضاعة التي لديهم قديمة واستقدمت على هامش دولار الـ8000 ليرة الذي سجّل في الشهرين السابقين كون المخزون الذي لديهم يكفي لشهرين وثلاثة، غير آخذين بعين الإعتبار الأوضاع الإجتماعية والمعيشية الصعبة.


تطوّر بورصة الصرف

مقارنة مع الفترة نفسها من العام السابق أي في 13 آذار 2020، سجّل سعر صرف بيع الدولار في السوق السوداء 2060 ليرة. ومقارنة مع اليوم نفسه من السنة الجارية حيث بلغ 12 ألف ليرة يكون سعر الصرف ارتفع بنسبة 485% وهي نسبة قياسية. اما في مقارنة شهرية، سجّل سعر صرف الدولار في السوق السوداء منذ شهر تماماً اي في 14 شباط الماضي 8880 ليرة مقارنة مع 11800 ليرة صباح أمس أي بارتفاع بنسبة 32.88%، علماً أنه أقفل مساءً على سعر 12400 ليرة.

وفي المقاربة الأسبوعية أي منذ 7 آذار ولغاية 14 منه إرتفع سعر صرف الدولار بنسبة نحو 19% من 10400 ليرة يوم الأحد الماضي الى 12400 ليرة أمس.

وتزامناً، إرتفعت أسعار السلع الإستهلاكية خلال فترة 12 يوماً أي منذ أن تخطى الدولار عتبة الـ10آلاف ليرة بنسبة وصلت الى 30%، فحقيبة الحليب السائل (4 ليترات) على سبيل المثال ارتفعت بنسبة 12% في يوم واحد في ظلّ الإقبال عليها وافتقاد رفوف المحال التجارية الى الحليب المدعوم والى تنوّع أصناف حليب البودرة. ومن المتوقّع أن ترتفع الأسعار كما اكّد رئيس نقابة أصحاب السوبرماركات نبيل فهد "أكثر من 20%" الأسبوع المقبل للنقص الحاصل في البضائع ومع ارتفاع الدولار الى 12 ألف ليرة.

وإن دلّ هذا الأمر على شيء فعلى "فلتان" زمام الأمور في البلاد على كل الصعد ومعها الأمان الإجتماعي. خصوصاً وأن تلك التطوّرات دعمتها بشرى وزير الطاقة أننا قادمون على عتمة شاملة نهاية آذار اذا لم تتأمن مساهمة مالية لمؤسسة كهرباء لبنان لشراء الفيول وإمداد المواطنين بالكهرباء، وأخرى لوزير الداخلية الذي اعلن أن الأمن تلاشى في البلاد.


أسباب الإنهيار السريع

الإنهيار السريع الذي تواصلت الليرة اللبنانية على تسجيله خلال الأسبوع الماضي، عزا الإقتصاديون أحد أسبابه الى تنفيذ خطة أمنية تقوم على إيقاف بعض الصرّافين ما زاد من شحّ الدولار في ظلّ عدم قيام المصارف بتوفير الدولارات، عدا طبعاً عن الأوضاع التشاؤمية التي تتفاقم، واستفحال التهريب وعجز ميزان المدفوعات... علماً أنه تمّ تناقل مكالمات يوم السبت عبر وسائل التواصل الإجتماعي، يلقي فيها المتحدّثون الملامة على المصارف التي كما يدّعون أقبلت على شراء الدولارات لزيادة سيولتها، الأمر الذي نفته البنوك التي تمّ التداول بإسمها.

أما الحكومة والتي يترتّب عليها الإلتئام بشكل سريع وطارئ لتدارك الفوضى التي تتصاعد وتيرتها في البلاد، فهي نائمة في سبات عميق، فكلّ فريق سياسي يلقي المسؤولية على سواه. ويغنّي على ليلاه.

الى ذلك، لا بدّ من الإشارة، الى أن مصرف لبنان بات في الوقت الراهن غير قادر على معالجة الوضع النقدي في ظلّ التعقيدات المتواجدة. فلا هو قادر على رفع الدعم نظراً الى تداعيات ذلك الخطيرة على الأمن والأمان، ولا هو قادر على ترشيده ولا على الإبقاء عليه كون البضاعة المدعومة تستنفد إحتياطي المركزي.


الحلول

لا حلّ في الدائرة التي ندور في داخلها سوى "الوصاية" الخارجية وهو الأمر المتعارف عليه، ونعني بذلك حلّ الخلافات السياسية وتشكيل حكومة منتجة، وبدء المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، ليصار على أساسها الى إعادة هيكلة القطاع المصرفي والسياسة النقدية في البلاد. فكلما تأخّرنا في الشروع في الحوار، كلما صعبت الحلول وكلما تفاقم الوضع الإجتماعي والمعيشي في البلاد استعرت الفوضى. فلو بدأنا اليوم في المفاوضات فإن السير على خط الإصلاحات لا يبدأ قبل عام.

حتى أن إقرار مجلس النواب قرض البنك الدولي والبالغ 246 مليون دولار بهدف دعم شبكة الأمان الإجتماعي للإستجابة لجائحة كوفيد 19، والأزمة الإقتصادية في لبنان وإصدار البطاقة التمويلية لم تعد تنفع. الليرة تآكلت وانهارت، ونسبة الفقراء في لبنان التي بلغت في العام الماضي 55 %، ها هي تسرّع خطواتها وتحلّق عالياً، مقارنة مع نسبة 28 في المئة في العام 2019، وفق دراسة أعدتها لجنة الأمم المتحدة الاجتماعية والاقتصادية لغربي آسيا (إسكوا).

فلا حلول سوى الحلّ السياسي لكبح فرامل الفوضى العارمة جراء الإنهيار الذي بات يشارف على ان يكون شاملاً. لكن على من تقرأ مزاميرك يا داوود؟



//