كورونا... أزمة تغلَّبت على الواقع!

كان صوت أبواق سيّارات الإسعاف هو القوّة الخارقة لفتح أقفال أوصدت منذ زمن غابر، نتيجة إهمال مستشرس من القوى السياسيّة والحكومات المتعاقبة.. ولكنّ المعجزة وقعت وأخجلت عقول السّاسة المسؤولون المقصّرون بحقّ الوطن وأبنائه، وكانت المفاجأة الصّاعقة لهم انّ الصّروح التي أهملوها هي التي احتضنت اللبنانيين المقيمين والوافدين رغم افتقارها لكلّ التجهيزات. فهل نشكر كورونا الضّيف الثقيل أم نلعنه لأنّه شئنا أم أبينا كان النّفس المنعش لهذه المشافي الحكوميّة المهملة؟

مستشفيات وقعت ضحيّة لوضع البلد، تعاقبها النّسيان والإهمال منذ سنين فما كانت النتيجة سوى ترهّل وتردّي للواقع الصّحي.توجّهنا إلى الباحث في "الدّوليّة للمعلومات" الأستاذ محمد شمس الدين لمعرفة السّبب الكامن وراء اهمال وسوء الإدارة في هذه المستشفيات.. يبدأ شمس الدين من أصل المشكلة معتبرا أنه من الأساس كانت المستشفيات الحكومية تاريخيّا وبتوجّه من الدولة مهمّشة لصالح المستشفيات الخاصّة كما هو الأمر في المدارس الخاصّة والرسمية. وبعد الحرب تحديدا عام 1994 أطلقت عدّة مشاريع لإنهاء مستشفيات حكومية بهبات وتبرّعات ليصبح عدد المستشفيات الحكوميّة 39 (32 منها جاهزون  و7 قيد التجهيز!) منتشرة على مختلف الأراضي اللبنانيّة. ولكن ظلوا يعانون من عجز بسبب تقاعس وزارة الصحة والضمان الإجتماعي وتعاونيّة موظفي الدولة عن تسديد الأموال اللازمة، إضافة الى المحاصصات الطّائفيّة والسّياسيّة بالتوظيف على حساب وزارة الصحّة. مشيرا إلى أنّه رغم عجزها تستقبل هذه المستشفيات المرضى الوافدين على حساب مؤسسات الدولة على خلاف ما تقوم به المستشفيات الخاصّة بحجّة أن لا أسرّة على حساب الوزارة.. موضحا موضوع السّلفة التي تعطيها وزارة الصحة للمستشفيات الحكومية على حساب الديون المتراكمة عليها. ويعتبر أن اهتمام المواطن في التردد الى المستشفيات الحكومية ما هو إلا بسبب حاجته اليها نسبة لوضعه الإقتصادي وعدم إغلاق الباب في وجهه كما هو الحال مع المستشفيات الخاصّة. ويختم شمس الدين حديثه بأن سوء الخلل الإداري الناجم عن المحاصصات السياسية والطائفيّة هو الذي يعيق عمل المستشفيات الحكوميّة منذ سنين طوال إلى يومنا هذا، فليس من المعقول أن تنفق الدولة على القطاع الخاص أكثر من 70% من فاتورة الإستشفاء مقابل التّقطير على القطاع الحكومي.

لم يكن القلق الذي انتاب المواطن اللبناني من فيروس كورونا، يفوق قلقه من كيفيّة الحصول على العلاج المناسب في المستشفيات الحكومية المنسيّة. "حياتي صارت رهينة لمستشفيات الدّولة!"عبارات تردّدت كثيرا من اللبنانيين الذين فقدوا كل الثقة في الدولة ومؤسّساتها. ولكن بين ألم الواقع وآمال الشفاء كان على المواطن تحمّل كل الصعوبات والإستسلام امام هذه المستشفيات التي احتضنتهم رغم الغيبوبة التي وضعوها فيها على مرّ السنين.

ماذا عن جهوزيّة المستشفيات الحكوميّة؟

هذا السّؤال الذي يحضر في أذهان كل من يتردّد إلى هذه المستشفيات بهدف الإستشفاء، حاولنا الحصول على جواب عليه من مستشار وزير الصّحة د. محمود زلزلي الذي اعتبر أن الجهوزيّة لدى المشافي الحكوميّة المعنيّة باستقبال مرضى كورونا تستند على تجهيزات متنوعة، أوّلها المختبرات التي تعنى بفحوصات الكورونا مع كل مستلزماتها ومعدّاتها الطبية، مضيفا إلى انّه هناك 5 مشاف حكومية في لبنان تقوم بفحص ال

Pcr

(رفيق الحريري، الهراوي وغيرها..)، مشيرا إلى أن العدد الموجود من المعدات اليوم يكفي لما هو موجود من الإصابات الحاليّة.. المشافي انهت المرحلة الأولى والثانية لجهة تجهيزها وعلى مستوى لبنان ستغطّي المشافي الحكوميّة الحاجة لإجراء مزيد من الفحوصات. ويكشف د. زلزلي عن خطّة أجهزة التنفس الإصطناعي قائلا: "لدينا اليوم حوالي 1500 جهاز تنفس إصطناعي على صعيد لبنان وسندخل عمليّا في المرحلة المقبلة 400 جهاز، إلى جانب ذلك اتفقنا مع البنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية على إضافة المزيد من الأعداد عبر المنح والقروض." وختم قوله بأنّ مستشفيات لبنان قادرة على استيعاب عدد مرضى فيروس كورونا وهناك تقييم دائم للتطورات كي لا نصل إلى سيناريو دول أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.

كيف استعادت مستشفى بيروت الحكومي ثقة اللبنانيين؟

التّراجع الكبير الذي شهده مستشفى رفيق الحريري الجامعي في بيروت خلال السنوات الماضية إلى درجة عجزه عن تأمين أبسط الخدمات للمرضى، جعل اللبنانيون يفقدون الثقة به وبخدماته الصحيّة. فكيف إذا بقدرته على التّعامل مع فيروس كورونا المستجد؟ يقول رئيس دائرة الهندسة والصيانة جهاد شحيمي أن خلال 24 ساعة جهّز قسم الطوارئ الجديد الذي بات بمثابة مستشفى مصغّر لاستيعاب عدد من المرضى. "بهبة من اللجنة الدّوليّة للصليب الأحمر الدولي ومؤسسة أفينا جهّزت المستشفى طبيا وفنيا وهندسيا، وعملنا على تأمين إمدادات الكهرباء والإتصالات ووضعنا نحو 80 تلفازا في الغرف.. وإننا نعمل ساعات إضافيّة طيلة هذه المرحلة وهواتفنا مفتوحة 24 ساعة".

ذهلت وأنا أجول داخل ممرّات المستشفى كيف كان العاملون فيها من اطباء، ممرضين، مهندسين، وعمال نظافة يصارعون الوقت لدحض مخاوف اللبنانيين مؤكّدين جهوزيّتهم التامة لمحاربة هذا الوباء الفتّاك.

وهذا ما اوضحته رئيسة مصلحة التمريض في المستشفى "وحيدة غلاييني": إنّ الإجراءات تشمل العاملين في جناح كورونا سواء لناحية طريقة ارتداء الملابس الواقية والتنسيق مع مختلف الأقسام من ضمنها التنظيفات وكيفية التعامل مع النفايات الطبية الخاصّة بمرضى الفيروس.

ولكن ماذا عن النّقص الذي يعاني منه المستشفى لناحية القدرات البشرية والمداخيل والكوادر الطبية؟ يجيب فراس أبيض مدير مستشفى بيروت الحكومي: "إنّ المستشفى حصل على دعم مادّي من جهات محلية ودولية والهيئات المعنيّة منذ استقبال أوّل حالة كورونا، والنقص لناحية القدرات البشرية عوّضه نسبة معينة من طلاب الجامعات ولا سيما الجامعة اللبنانية- كليّة الطب الذين يداومون يوميا وعلى فترات ومناوبات من أجل مساعدة الطاقم الطبي."

كان خيارا وحيدا... مستشفى الفقراء!

"أوّل مرة بحياتي بحس إني عاجز وهلقد ضعيف.. حسيت باليأس والاستسلام كتير لأنو وضع لبنان ما بيتحمل أزمات فكيف بدو يشفينا من كورونا؟" هكذا بدأ حديث غيث المصاب بفيروس كورونا، ولكن سرعان ما أزيحت ستارة اليأس عن صدره عندما بدأ بتلقي البروتوكول العلاجي اللازم داخل المستشفى الحكومي معبّرا عم مدى راحته التّامة نسبة لما يقدّمه لهم الكادر الطبي. ويتابع غيث: "الأطباء والممرضين 24 ساعة على مدار اليوم عم يهتموا فينا من حيث الغذاء والدواء والسلامة النفسية، صرت متأكّد إنو لبنان عناصر قوته بشعبه لبيتكاتف دائما ليعبر كل الأزمات وبأقل الإمكانات"..

وأخيرا... منظومة فساد أوصلت القطاع الحكومي إلى ما هوعليه اليوم، عصابة مؤلفة من سياسيين وأصحاب رساميل روّجت إلى فشل القطاع العام في تقديم الخدمات العامة وعملوا على تعطيل المستشفيات الحكومية للسيطرة على مجالس إدارتها والحد من تطويرها، وصولا إلى الامتناع عن زيادة حصتها من النفقات الاستشفائيّة في وزارة الصحة وباقي الصناديق الضامنة، ولكن كلّ ما زاد عن حدّه انقلب إلى ضدّه وأزمة كورونا جاءت بالنفس المنعش لهذه المشافي المنسيّة لتعود إلى الواجهة رغم فتات الإنفاق المتواضع عليها.

 



//