الهيركات على المودعين يستفحل مع انهيار سعر الصرف

مع ارتفاع سعر الدولار في السوق السوداء، وبدء العد العكسي لانتهاء التعميم رقم 151 الذي يستحق نهاية آذار الحالي، تكثرالتوقعات عن مصير سعر الصرف المعتمد على المنصة. فالبعض يتوقع تمديد المهلة ومتابعة العمل بالسعر الحالي، أي 3900 ليرة، والبعض الآخر يتوقع رفعه إلى 4500 ليرة، فيما يذهب البعض بآمالهم إلى إمكانية رفعه إلى 6200 ليرة. فماذا لو رُفع سعر الدولار المصرفي؟ وما مصير الودائع في كل الأحوال؟

 

 

 

كان "المركزي" قد أصدر التعميم رقم 151 ليشير بذلك إلى عدم توفر الدولار في المصارف، وكمحاولة أو كوجه من وجوه تطبيق الـ "هيركات" فعلياً. بحيث يكون المودع مُلزماً بسحب الودائع بالدولار بقيمة سعر صرف الليرة المحددة من قبل مصرف لبنان، والتي لا توازي قيمة سعر الدولار الحقيقي. وكان "المركزي" قد اتخذ مثل هذا القرار لتهدئة الرأي العام والشارع في ظل الفوضى القائمة، من دون الأخذ في الإعتبار درجة الخطورة التي ستنعكس على سعر صرف الليرة إذا استمر الدولار بالإرتفاع صعوداً.

رفع سعر المنصة ليس الحل

أياً كانت التوقعات والتحليلات، يبقى سعر منصة مصرف لبنان مرتبطاً بسعر السوق السوداء بمعادلة ذهبية، وكان في كل مرة يرتفع الدولار في السوق السوداء، تتجه المصارف إلى رفع سعر صرف المنصة. فارتفع مثلاً من 2600 ليرة للدولار الواحد إلى 3000 ليرة عندما قارب دولار السوق السوداء الـ 6000 ليرة ومن ثم إلى 3900 ليرة مع استمرار ارتفاعه. ومع هذا يبقى رفع سعر الدولار المصرفي ليس الحل، يقول المدير التنفيذي السابق في مصارف وصناديق مالية عالمية صائب الزين، "وعاجلاً أم آجلاً، إن لم تتواجد أي حلول جذرية لوقف إرتفاع الدولار، ستعمد المصارف إلى رفع سعر المنصة لتقارب سعر السوق الموازي، ما يتطلب طباعة المزيد من العملة الوطنية. وبالتالي تدهور قيمتها أمام الدولار، إضافة الى تعزيز سياسة "الليرلة" التي ستؤدي الى "هيركات" مقنع، لا بل غير مقنع، ليس فقط على المودعين بل ايضاً على المواطنين بحيث ستنخفض القدرة الشرائية مع استمرار إنهيار الليرة".

 

تذويب الودائع

إذا قارنا سعر الدولار المصرفي ودولار السوق السوداء، نجد أن سعر هذا الأخير يقارب ثلاثة أضعاف السعر المعمول به في المصارف، فيخسر بذلك المودع حوالى 70% من قيمة أمواله، لتفرض المصارف بهذه الطريقة عملية "هيركات مقنّع" على الودائع، التي من شأنها أن تخلق تراجعاً في القدرة الشرائية وتضخماً في الأسعار والمزيد من إنهيار الليرة اللبنانية. ونرى في ذلك عملية الهيركات على الودائع، أي نسبة خسارة المواطن لقيمة ودائعه بالدولار المسحوبة بالليرة على سعر المنصة 3900 ليرة للدولار الواحد مقابل سعر الدولار الحقيقي في السوق السوداء.

وإذا تجاوز سعر الصرف لدى المصارف 60% من سعر السوق السوداء، يصبح من مصلحة المودع أن يسحب ما أمكن من الدولار بالليرة ليتوجه مباشرة الى أقرب صيرفي لشراء الدولار الورقي بخسارة توازي 30 الى 40% من وديعته، فتكون النتيجة زيادة الطلب على الدولار لدى الصيارفة ورفع سعره في السوق السوداء من جديد. أما إذا إنخفض سعر الدولار لدى المصارف عن 40% من سعر السوق السوداء (وهو الوضع الحالي)، يبدأ الشارع بالغليان والإحتجاجات والتظاهرات. وبحسب الخبير في المخاطر المصرفية محمد فحيلي فان "ارتفاع السعر المصرفي سيناسب أصحاب الحسابات الدولارية فقط بحيث يخفف من حجم "الهيركات" ويساعدهم على تغطية حاجاتهم المعيشية والاستهلاكية، ولكن حدّة الأزمة وتفاقمها يوماً بعد يوم سيؤديان إلى ذوبان القيمة المضافة. أما بالنسبة لأصحاب الحساب اللبناني، فسيكون الوضع صعباً عليهم". وبرأيه فان "مصير الودائع يبقى رهناً بين أيدي المودع، فاذا سحب ما أمكنه من الدولار بالليرة وتوجه مباشرة لشراء الدولار الورقي فهو بالطبع يخضع لعملية الهيركات، أما إذا لم يتخذ أي عملية مماثلة، فستكون العملية دفترية بخسارة توازي 70% من الودائع. ولكن المشكلة اليوم موجودة في وتيرة إرتفاع الدولار السريعة وغياب الأمن والرقابة وصعوبة ترقب ما يحمله المستقبل القريب".

الدولة غائبة

إذا كان إنهيار الليرة هو النتيجة الطبيعية لإنهيار الإقتصاد، فان "مسار العمل لتحقيق إستقرار الليرة يتم عبر خطة موثوقة تعمل على استقرار الإقتصاد، وتعالج الأزمات المتعددة التي يواجهها لبنان"، من وجهة نظر الزين. وهذا ما يمكن التوصل إليه من خلال خطة مماثلة لخطة الإنعاش الإقتصادي التي أقرتها الحكومة المستقيلة في نيسان العام الماضي. وقتذاك "كان من المتوقع أن يكون معدل سعر صرف الدولار أقل من 5000 ليرة، خصوصاً ان الخطة طرحت جدياً معالجة خسائر المصارف ومصرف لبنان والدولة. لكن مع الأسف "فشّل صانعو السياسات ومستفيدو النظام الفاسد الخطة"، يقول الزين، "وأصبحنا أمام مستويات أعلى من انهيار الليرة".

بدوره يعتبر فحيلي انه "لا يمكننا الإعتماد على سعر صرف الدولار كمؤشر لتقييم الوضع الإقتصادي في لبنان، فهو بالواقع نتيجة وليس مؤشراً، ينتج عن غياب الدولة وعدم الثقة بوجود أي إنفراجات بالوقت القريب. فاليوم، إذا أنعشت الدولة التفاوض مع صندوق النقد الدولي وباشرت بمشاريع إصلاحية، ستنعكس حتماً على نفسية المواطن وسنشهد إرتياحاً في السوق وإنخفاضاً في سعر الدولار". تعاميم كثيرة صدرت عن مصرف لبنان وجرى تأكيدها في مشروع موازنة 2021 أسست إلى تهريب مشروع الكابيتال كونترول capital control، يقول فحيلي، "فالمادتان 37 و110 من مشروع الموازنة إضافة الى التعاميم 151 و154 و580 لمصرف لبنان كلها أسست الى تهريب هذا المشروع، الذي كان بإمكانه ملاحقة كل من سبّب الأذى بالقطاع المصرفي واستفاد منه. لذلك جمدت الطبقة السياسية أي نقاش أو تفاوض مع صندوق النقد الدولي بشأن هذا المشروع وعمدت إلى وضع النقاط التي تناسبها من بوابة مصرف لبنان وموازنة 2021".



//