سلاح حزب الله الاقتصادي "بطاقة السجّاد"

 

أيام صعبة للغاية يعيشها لبنان ، يئن فيها الشعب تحت وطأة أزمة اقتصادية هي الأسوء في تاريخه مما عرقل الكثير من الخدمات المقدّمة للمواطنين ويهدد بدفع البلاد إلى شفير الانهيار التام ، ومن هنا لجأ حزب الله إلى فتح سلسلة متاجر تتوفر فيها سلع بأسعار مخفضة. وللتسوق في هذه المتاجر، يجب الحصول على بطاقة خاصة يمنحها الحزب وهي "بطاقة السجّاد" ، الذي يسعى إلى تخفيف الضغط عن قاعدته الشعبية.

ما هي هذه السلع المعروضة ونوعيتها وكيف تم إيصالها الى لبنان؟ وهل الكمية الممنوحة لكل شخص تكفي لإحتياجاته ام هي دعاية وتسويق لمشروع فقط للحفاظ على القاعدة الشعبية لحزب الله؟

وهل سنشهد في المستقبل القريب توجه أحزاب لبنان لخطوات تشبه خطوة حزب الله اذا ما أظهرت نتائج إيجابية؟

بعض من الشروط والخصائص المطبوعة على بطاقة “السجّاد”

يسعى حزب الله من خلال هذه المبادرة إلى احتواء غضب واستياء أنصاره الذين يواجهون مثل غيرهم من اللبنانيين صعوبات متعددة جراء التضخم والأزمة.

وأُطلق على هذه المتاجر اسم "السجاد"، نسبة إلى الشخصية الشيعية البارزة الإمام علي السجاد (ع) المعروف عنه بسخاءه وكرمه، وتُعرض للبيع سلع سورية وعراقية وإيرانية بأسعار مخفضة ومؤخراً برزت سلع لبنانية، حسبما أكد (الحاج فلاح حمادي) وهو مسؤول اجتماعي في حزب الله .

وقال حمادي إن الأشخاص المؤهلين للتبضع في هذه المتاجر بحاجة إلى بطاقة "السجاد" التي يوفرها حزب الله لمن تقل مداخيلهم عن مليون و500 الف ليرة لبنانية (نحو ٨٨ دولار)، علما أن نصف سكان لبنان على الأقل يعيشون تحت خط الفقر وأن الليرة اللبنانية فقدت أكثر من ٩٠ في المئة من قيمتها.

وحسب حمادي، فإن متاجر "السجاد" مفتوحة أمام كل المحتاجين سواء كانوا من أنصار الحزب أو غيرهم، لكن يُشار إلى أن غالبية الزبائن هم من الطائفة الشيعية، وتوزيع المتاجر المخصّصة لها في كل من البقاع (بعلبك ورسم الحدث ) ، الجنوب (النبطية و صور) وبيروت (الضاحية الجنوبية و طريق المطار) ما يثير العديد من التساؤلات.

فهناك شبهات بقيام حزب الله بتهريب بعض المواد الغذائية مثل السكر والطحين إلى سوريا، ما يتسبب في حرمان اللبنانيين من هذه المواد الأولية التي يعرضها أصلا في متاجره.

وفي ردّه على الشبهات اكّد حمادي بأنه لم يتم أي عملية تهريب للمواد الغذائية من لبنان الى سوريا وإنما يتم استيراد المواد الغذائية الى لبنان ليتم تلبية الحاجات دون فقدان هذه المواد واحتكاره من قبل بعض التجار في لبنان . حيث في البداية كان استيرادها عبر البر من العراق ومن ثُم سوريا وصولاً الى لبنان حتى تم التوصّل إلى استيرادها عبر مرفأ بيروت مما يفسّر سبب الارتفاع البسيط في السلع الموجودة في المخازن على حد تعبيره بسبب تكاليف الجمرك وغيرها.

وفي اجابته عن استهداف البطاقة للطائفة الشيعية ، أكد انّ من وقف مع المقاومة في محنتها واجبٌ على حزب الله بأن يفي ولو بجزءٍ بسيط مع هؤلاء الناس وهي لا تستهدف فقط الشيعة على حد قوله حيث طالت طوائف أُخرى ايضاً موالية لحزب الله.

ومن هنا تم التواصل مع أسامة خميس ذو الطائفة السنيّة وقد حصل على البطاقة من حزب الله ليتبيّن ان والدته شيعية وهو في صفوف سرايا المقاومة التابعة لحزب الله.

وبدأنا البحث عن مستفيد آخر حتى وصلنا لشاب يدعى شادي همدر ليتبيّن أنه شيعي بعد أن كان قد اخبرنا بطائفة غيرها، لنصل إلى استنتاج مفاده أنّ هذه البطاقة يستفيد منها بشكل كُلّي تقريباً الموالين لحزب الله.

 

 

 

 

متاجر تشبه مستودعات

البضاعة المخزّنة في المستودعات (طريق المطار-جبران مول)

 

لم يوفر حزب الله أي معلومات عن الأشخاص الذين حصلوا على بطاقة "السجاد"، لكن عددهم قد يزيد عن عشرة آلاف شخص حسب مقربين منه. والدفعة الثانية من البطاقة سيطال ٥٠ الف مستفيد ، ولكن الإجراءات معقّدة قليلاً ولم يتم الانتهاء منها الى الآن بسبب مكننة كل بطاقة على حدى حسب رأي مسؤول منطقة بيروت في حزب الله الحاج حسين.

أكّدت السيدة فاطمة (40 عاما) التي تقطن في البقاع الشمالي (الهرمل)، أنّ عناصر من حزب الله (قطاع الهرمل) عرضوا عليها البطاقة من دون أن تتقدم بأي طلب رغم وضعها الاقتصادي المتردي.

وقالت فاطمة انها اشترت بعض المواد (أرز، سكر، زيت...) بأسعار مخفضة من هذه المتاجر التي تصفها بأنها تشبه المستودعات، مؤكدة أنها لا تنتمي إلى حزب الله. وتوضح أن بطاقة "السجاد" توفر لصاحبها كمية محدودة من السلع شهريا، ومنها 5 كلغ أرز و5 كلغ سكر و 3 ليتر زيت (بعدما كانت في الآونة الأخيرة ٥ ليتر). إضافة إلى 4 كلغ مسحوق غسيل وثلاث علب معكرونة و4 علب تونة وقرعتين من سائل غسيل.

الزّيت المنزلي في المستودعات حيث انتشرت الصورة بعد ارتفاع ثمن الزيت لإرتباطه بسعر الدولار (طريق المطار-جبران مول)

وفي زيارتنا لفاطمة للإستفسار عن نوعية المواد المعروضة والبلد المصنّع لها فقد تبيّن أن كل من الشاي والتمر والرز يتم استيراده من العراق ومؤخراً تم استيراد الزيت من العراق ايضاً وتم سؤال فاطمة عن جودة البضاعة حتى قالت: ( كانت البضاعة تكفّينا لشهر امّا هلّق ما بتكفّي أسبوعين وهيدي كل الكمية يللي بيعطونا ياها وصارت اغلى من الأول يعني ارخص من السوق بشوي، والزيت مش متل الأول كان افضل من هلّق)

امّا علب التونا والسردين والمعكرونة والشوربا فصناعتها إيرانية واقتصرت الصناعة السورية بمنتجات محدودة مثل السكّر وبعض الحبوب كالبرغل والعدس.

من جانبه، أكد حسان والد لطفلين يسكن في النبطية (جنوب لبنان) أن عناصر في الحزب تقربوا منه ليعرضوا عليه الحصول على بطاقة "السجاد". وقال "طلبوا مني نسخة من بطاقة التعريف، إذ إنهم يعرفونني جيدا ويثقون بي". وتابع هذا الرجل البالغ من العمر 39 عاما "نستفيد من تخفيض قدره 35 في المئة كلما اشترينا موادا بأكثر من مليون ليرة"، مضيفا "ستتيح لنا هذه البطاقة الاستفادة من تلقي العلاج بأسعار مخفضة". 

وعن سؤالنا عن نوعية المواد الغذائية جاء حسب قول حسان بأن النوعية جيّدة وليس لديه أي ملاحظة عليها.

 

 

"... لا مانع من المساعدات حتى لو من حزب الله"

ويقول حسين (٣٢ عاما)، موظّف في شركة الميدل ايست بأنه قدّم للحصول على بطاقة "السجاد"  وهو غير منتسب لحزب الله وانما مقتنع بأنه بحاجة لهذه المواد الغذائية بأسعار مخفّضة زاعماً بأنه من الأشخاص الذين يسكنون في ضاحية بيروت الجنوبية وشيعي أي تتوفر فيه الشروط للحصول على البطاقة اسوةً بغيره من الذين حصلوا عليها.

وحول كثرة الحديث في مواقع التواصل الاجتماعي عن حزب الله، حول عملية بيع الحزب "مواد غذائية لا تخلو من دوافع انتخابية"، وجملة "الفقراء بحاجة ملحة" لهذه السلع.  

يقول الحاج حسين زين الدين (مسؤول في العمل الاجتماعي في حزب الله) إن "الدولة غائبة في عدة مناطق فقيرة من لبنان، وبالتالي فإن سكانها يقبلون مساعدات من أي جهة كانت كيف وان كانت المساعدات من احد الأحزاب المتواجدة بينهم" مؤكداً أنّ بطاقة "السجاد" سوف تشمل كل جمهور المقاومة و إنها ليست ضمن قائمة "المحتاجين"، انما بنسب حسم متفاوتة بين شخصٍ وآخر أي حسب الوضع الاجتماعي والاقتصادي لكل فرد.

مشيراً الحاج حسين ان عملية افتتاح فروع جديدة للمستودعات قائمة حيث تم افتتاح مؤخراً فرع طريق المطار (جبران مول) ويتم تجهيز فرع السان تيريز (قاروط سابقاً) ليتم افتتاحه في المرحلة القريبة جداً.

لكن أنصار حزب الله لا يرحبون كلهم بفكرة "السجاد"، ومن المعارضين لها الصحافي منير ربيع الذي يحذر من "مخاطر" هذا المشروع في بلد يزداد فيه غياب الدولة يوما بعد يوم. فهو يوضح أن "قول حزب الله لأنصاره بأنه لا داعي لانتظار أي دعم من الدولة أو الجمعيات، أمر خطير". فهذا يعني على حد قوله "أنه لا وجود للدولة أساسا" وأن "الحزب يقوض مفهوم الدولة في عقول الناس".

ويضيف منير ربيع أن هذه المبادرة دليل على "رغبة حزب الله لضمان نوع من الاستقرار لدى المجموعة الشيعية ومنع أي حركة احتجاج أو ثورة". ويتابع "حزب الله دائما يسعى لتفادي أي غضب يكون سببه الجوع"، مؤكدا أن الحزب الشيعي "يعمل على المدى الطويل إذ إنه يعلم بأن تجاوز الأزمة الحالية لن يكون قريبا".

 

"لبنان اليوم مجرد تابع لدولة حزب الله"

 

ويرى منير ربيع بأن "حزب الله يعمل على ضمان برنامج شامل للمساعدات الاجتماعية في المستقبل، مركزا على تطوير الرعاية الصحية". وحسب الصحافي فإن حزب الله يعتبر نفسه "ضحية مؤامرة دبرتها الولايات المتحدة لأجل التخلص منه"، وبالتالي "رده هو أن أتباعه لن يتعرضوا للجوع إذ لديه دوائر تزويد خاصة تمر عبر إيران وسوريا والعراق".

ولا يختلف رأي باسل عن منير ربيع، فهذا التاجر المقيم في ضاحية بيروت الجنوبية لم يحصل على البطاقة “بمجرّد انّه غير شيعي ” وهو يعتبر نفسه من الحاضنين لبيئة المقاومة وقدّم استفساراً عن سبب عدم حصوله على البطاقة ولم يلقى لسؤاله جوابٌ حتى الآن.

ويختم باسل بالقول إن "حزب الله يسعى لفرض نفسه لدى الشارع الشيعي حيث انّه الملجأ الوحيد أمام الأزمة، وذلك من خلال سلسة متاجره وأسعارها المخفضة التي يعمل عليها بعد بروز الازمة الاقتصادية في لبنان.

 

خطوة حزب الله ونتائجها على الزمن القريب وموقف باقي الأحزاب

 

بعد لجوء حزب الله لهذه الخطوة والحديث الإعلامي عنها بقي امام حزب الله ان ينجح بهذه الخطوة ليبقى على خطوة قريبة من مناصيريه والا في الخطوات الباقية لن يكون حجم الجماهير كما كان من قبل. وفي حال نجحت هذه الخطوة يمكن ان نرى خطوات مشابة للأحزاب اللبنانية الأُخرى وذلك لبقاء جماهيرهم بالقرب منهم ولكن هل ستكون من نفس الدول او من دولٍ أُخرى ، كل هذه الأسئلة ستكون اجوبتها بعد تقييم تجربة حزب الله في بطاقة السجاد.

 

كلمات مفاتيح:

بطاقة السجاد
حزب الله
ايران
العراق
سوريا
الأزمة الإقتصادية اللبنانية



//